أخبار وطنية الدكتور سامي السويسي في حوارٍ خاص: "المنظومة الصحيّة على وشك الانهيار، ولهذا السبب أنصح بـ فرض الحجر الصحّي الشامل"
نشر في 13 جويلية 2021 (18:25)
استوطنت جائحة «كورونا» الوبائيّة في تونس ووَجدت ضالّتها بين صفوف المواطنين على اختلاف شرائحهم العمريّة، لتعلن العصيان والخروج عن السيطرة، وسطَ نداءَات استغاثة يوميّة واستنزافٍ لمقدرة وجهد الماكينة الصحيّة التي قيلَ عن منظومتها أنّها انهارتْ.
وضعٌ وبائيّ وصفهُ الخبراء والمختصّون بـ الكارثي والحرج، بلْ وصل الأمر بالبعض إلى إعلان تونس دولة منكوبة في حالة طوارئ صحيّة بامتياز، وحتّى الأرقام والمؤشرات تقيم الدليل على صحّة ما ذهبوا إليه، حيثُ تجاوز معدّل الوفيّات والإصابات اليوميّة -وَفق تحيينات وزارة الإشراف- نِسباً غير مسبوقة وأعداداً قياسيّة فاقت التوقّعات والقراءَات الاستباقيّة.
المستشفى الجهوي بولاية بن عروس، كغيره من المؤسّسات الاستشفائيّة العموميّة، لم يشذ عن القاعدة زمن الأوبئة والأزمات والكوارث، ذلك أنّه بات يئنّ تحت موجة عدوى شديدة الخطورة وعالية الانتشار، اختلّت معها الخدمات الطبيّة المسداة وفاحت من بين ثناياها رائحة الموت، حتّى أصبح إنقاذ مريض من الهلاك وإسعافه بجرعة أكسيجين، أمراً صعب المنال... هكذا هي الوضعيّة، بل لعلّها أكثر بؤساً وقتامة.
لاستجلاء تطوّرات الحالة الوبائيّة هناك، واستئناساً بكفاءَته وموقعه من داخل مسرح النسق الماراطوني لاستقبال الوافدين ومجاراة أعدادهم المرتفعة، كان لموقع الجمهورية هذا اللّقاء الخاص مع رئيس قسم الاستعجالي وكوفيد، بالمستشفى الجهوي بـ بن عروس، الدكتور سامي السويسي، الذي أطلعنا على عديد الجوانب والمسائل المتعلّقة بجائحة «كورونا»، ورؤيته لكسر حلقات العدوى والحدّ من تفاقمها، قبل فوات الأوان.
1- ماهيَ ملامح الوضع في مستشفى الياسمينات؟
لن أذيع سرّاً إذا أخطرتكم بأنّ الوضع سيٌء للغاية وفي منتهى التعقُّد، فـ قابليّة وحدة الكوفيد تضاعفت بنحوِ 3 مرّات وامتلأت طاقة استيعابها لتتجاوز الحدود القصوى، ولكيْ أضعكم في الصورة بشكلٍ أوضح، ينبغي أن أحيطكم علماً أنّ قسم الاستعجالي المخصّص لمن هم دون مرضى كورونا، شهد اكتضاضاً بين الحاملين للعدوى وغيرهم، ما اضطرّنا إلى استثناء غرفة مراقبة حثيثة تسع 4 أسرّة حتّى نتمكّن من ضمان تحييد أصحاب الأمراض الخارجة عن نطاق الوباء وتأمين إيوائهم.
وإلحاقاً لما سبق، يَشهد محيط المستشفى خلال هذه الآونة، تسمُّر زهاء الـ 20 مصاباً رفقة أفراد من عائلاتهم، والغريب أنّهم يحملون معهم أجهزة أكسيجين تفي بالغرض... لهؤلاء أتوجّه بالقول: "لن تجدوا داخل المستشفى أفضل وأنجعَ ممّا عندكم".
2- هل من إحصاءَات للمتوفّين ولمحة عن فئاتهم السنيّة؟
حالات الوفاة لا تنقطع، وأعدادها مفزعة، إذْ نسجّل يوميّاً بين 4 و6 وفيّات، أعمارهم تتراوح من 50 إلى 40 سنة، وقد فقدنا منذ يومين ثلاثينيّاً في غُلَواءِ الشباب جرّاء استفحال الفيروس في جسده.
3- الجائحة أتت على الأخضر واليابس والسلالات المتحوّرة للفيروس تسلّلت إلى كافّة المناطق.. من يتحمّل المسؤوليّة دكتور؟
للمواطن نصيب من المسؤوليّة، فلا أحد ينكر أنّ نسبة الالتزام بالتوصيات والتقيّد بالتوجيهات ضئيلة ومتدنّية جدّاً، لاحظ أنّ الشواطئ ممتلئة بالمصطافين بلا تباعد، هل يُعقل أنّ مظاهر الازدحام في أوجها، رغم إجراءَات المنع وحزمة القرارات المتّخذة!؟ كان بالإمكان أن تكون الكلفة أغلى ثمناً، لو عادلتْ السلالة البريطانيّة، مثلاً، خطورة المتغيّر الهندي «دلتا».
الطبقة السياسيّة بدورها تتحمّل جزءًا من المسؤوليّة، لاسيّما أنّها غفلت عن المشغل الحقيقي في فترة من الفترات ولم تحذَر من بزوغ موجات أخرى أكثر حدّة، ولَكم في السماح بفتح الحدود وقتئذ دليل ساطع على ما أقول.
استراتيجيّة الدولة اتّسمت بالارتخاء في مواجهة الموجات اللّاحقة للوباء، وها نحن الآن نحصد ما زرعناه وكلّنا في نفس السلّة.
4- أفهم من تشخيصك أنْ لا أمل يَلوح في تحسُّن الوضع؟
أنا طبيب، لا أعطي إلّا الأمل ولا أبعث سوى الحياة .. رغم كل ما نعيشه اليوم من ضغط رهيب بمثابة «حرب استنزاف»، تُحاول الطواقم الطبيّة وشبه الطبيّة على حد سواء، تحدّي الظروف والقيام بما هو محمولٌ عليها بلا حساب في سبيل حفظ أرواح التونسيّين، على الرغم من شحّ الإمكانات والموارد البشريّة، ومن هذه المساحة الإعلاميّة، أتوجّه برسالةٍ إلى حكومتنا من أجل النظر العاجل في حتميّة تعزيز كوادر الخطّ الأوّل ودعمها لكيْ تواصل مهمّتها دون عوائق.
الحرب سجال، لكن مآلنا تحقيق الانتصار على الوباء، شريطة الانخراط في مقاربة فعّالة، كلٌّ حسَب مجال نشاطه وموقعه، ولكيْ تزول الغمّة وتنحسر الأزمة، حريٌّ بالمجتمع المدني ومكوّناته التكثيف من حملات التوعية والتضامن، والتشجيع على إطلاق المبادرات الإنسانيّة ذات الجدوى، وما نراه اليوم من حراكٍ في هذا الخصوص، يثلج الصدور ويُبشّر بخير.
كما يجب على الطبقة السياسيّة المتناحرة أن تضع خصوماتها ومهاتراتها جانباً، وتستنفر قواها وتصطفّ أمام عدوّ واحد يتربّص بالبلاد ولا يستثني أحداً من العباد.
لمَ لا تعلن السلطة حداداً وطنيّاً في يومٍ رمزيّ، ترحّماً على آلاف التونسيّين الذين قضوا بفعل الوباء، ومن خلاله نعطي أهميّة قصوى وأولويّة بالغة تنطوي على أنّ الخطر محيطٌ بنا ولا منجى منه سوى بالحرص على اتباع كافّة السبل المتاحة.
إذن، لا مناص من الجائحة، إلّا بـ اتباع الإجراءَات الاحترازيّة، وتعزيز قدرة المؤسّسات الصحيّة، وتوحيد خطاب التوعية بين مختلف الحساسيّات بمنأى عن المزايدة والتوظيف العقيميْن، علاوةً على التسريع في جلب التلاقيح بكميّات وافرة لتطعيم الشعب في ظرفٍ زمني محدود.
5- خلّف تصريح نصاف بن عليّة جدلاً محموماً، بين مؤيّد وغير موافق لما أعلنته .. هل فعلاً، انهارت المنظومة الصحيّة في تونس، كما قالت الناطقة الرسميّة بإسم وزارة الصحّة؟
هيَ صيحة فزع تُنذر أنّ المنظومة الصحيّة على وشك الانهيار، وكلّ النداءَات العاجلة لا ينبغي تجاهلها، بل تقتضي التفاعل معها والإصغاء إليها عن كثب، فـ الحرب تستوجب التسلّح والمدد وتوفير المعدّات والإمكانات والتجهيزات اللّوجيستيّة، تفادياً لسيناريو الانهيار الذي نُجانبه بفضل يقظة جنود الواجهة والخطّ الأوّل وتضحياتهم الجِسام.
6- سبق وأن صرّحتَ بأنّ بوادر الخلاص تكمن في إقرار حجرٍ صحيّ شامل يغطّي كامل أرجاء البلاد، هلْ مازلت عند هذا الطّرح؟
من الناحية العلميّة البحتة، نستطيع عبرَ فرض الحجر العام لمدّة تتراوح بين 4 و6 أسابيع، أن نُعطّل ٱمتداد الفيروس ونَكسِر حلقات العدوى... لكن القرار بيد السلطة السياسيّة التي ترى أبعد من ذلك، حيثُ تأثيرات الغلق الكامل وتداعياته مرتبطة بالجوانب الإقتصاديّة والأمنيّة والاجتماعيّة، ولا أتمنّى أن أحل محل الماسك بزمام القرار، لأنّ المعادلة صعبة، ودوري فقط لا يتعدّى تقديم وجهة نظر طبيّة صحيّة صرفة.
حـاورهُ: مـاهـر الـعـونـي